الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

277

تفسير روح البيان

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ اى ما مات بغير ذكاة مما يذبح والسمك والجراد مستثنيان بالعرف لأنه إذا قيل فلان أكل ميتة لم يسبقا إلى الفهم ولا اعتبار للعادة قالوا من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث وان أكل لحما في الحقيقة قال اللّه تعالى لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا والمراد بتحريم الميتة تحريم أكلها وشرب لبنها أو الانتفاع بها لان الأحكام الشرعية انما تتعلق بالافعال دون الأعيان وَالدَّمَ الجاري والكبد والطحال مستثنيان أيضا بالعرف فهما حلالان وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ قد انعقد الإجماع على أن الخنزير حرام لعينه فيكون جميع اجزائه محرما وانما خص اللّه لحمه بالذكر لأنه معظم ما ينتفع به من الحيوان فهو الأصل وما عداه تبع له وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ اى وحرم ما رفع به الصوت عند ذبحه للصنم وأصل الإهلال رفع الصوت وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها ويقولون باسم اللات والعزى فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وان لم يجهر بالتسمية مهل * قال العلماء لو ذبح مسلم ذبيحة وقصد بها التقرب إلى غير اللّه صار مرتدا وذبيحته ميتة وذبائح أهل الكتاب تحل لنا لقوله تعالى وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ الا ان سموا غير اللّه فإنها حينئذ لا تحل لهذه الآية فان قوله تعالى وَطَعامُ الَّذِينَ إلخ عام وقوله وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ خاص مقدم على العام فَمَنِ يحتمل أن تكون شرطية وموصولة اضْطُرَّ اى أحوج وألجئ إلى أكل شئ مما حرم اللّه بان لا يجد غيرها وجد أن الاضطرار ان يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف غَيْرَ نصب على الحال فإنه إذا صلح في موضع لا فهو حال وان صلح في موضع الا فهو استثناء والا فهو صفة وذو الحال هاهنا فاعل فعل محذوف بعد قوله اضطر تقديره فمن اضطره أحد أمرين إلى تناول شئ من هذه المحرمات أحدهما الجوع الشديد مع عدم وجدان مأكول حلال يسد رمقه وثانيهما الإكراه على تناوله فتناول وأكل حال كونه غير باغٍ على مصطر آخر بأن حصل ذلك المصطر الآخر من الميتة مثلا قدر ما يسد به جوعته فأخذه منه وتفرد بأكله وهلك الآخر جوعا وهذا حرام لان موت الآخر جوعا ليس أولى من موته جوعا وَلا عادٍ من العدو وهو التعدي والتجاوز في الأمر لما حد له فيه اى غير متجاوز حد الشبع عند الاكل بالضرورة بان يأكل قدر ما يحصل به سد الرمق والجوعة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تناوله عند الضرورة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل في حال الاضطرار رَحِيمٌ بترخيصه ذلك ولم يذكر في هذه الآية سائر المحرمات لأنها ليست لحصر المحرمات بل هذه الآيات سيقت لنهيهم عن استحلال ما حرم اللّه وهم كانوا يستحلون هذه الأشياء فكانوا يأكلون الميتة ويقولون تأكلون ما امتم ولا تأكلون ما أماته اللّه وكدا يأكلون الدم ولحم الخنزير وذبائح الأصنام فبين انه حرمها فالمراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا * وقيل ذكر الميتة يتناول المتردية وهي الساقطة في بئر أو ماء أو من علو والمنخنقة وهي ما اختنق بالشبكة أو بحبل أو خنق خانق والموقوذة وهي المضروبة بالخشب والنطيحة وهي المنطوحة وما أكل السبع ومتروك التسمية عمدا ونحوها ويكره عشرة من الحيوان الدم والعدة والقبل والدبر والذكر والخصيتان والمرارة والمثانة ونخاع الصلب . اما الدم فلقول تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ واما ما سواه فلانها من الخبائث * قال الشيخ الشهير بأفتاده أفندي ذكر